السيد محمد الصدر

104

تاريخ الغيبة الصغرى

إليه الماركسية حين حولت علم التاريخ والمجتمع من « فوضى احتمالات » إلى « علم » ! ! . . . إلا أن هذا لا ينافي الاعتراف مع الماركسية ، بأن المجتمع يتطور تطورا موضوعيا ، وذا درجة كافية من الضبط ، ويمكن السيطرة عليه من قبل فاعل داخلي أو خارجي . وسيتضح ذلك جليا عند شرح التخطيط العام في القسم الثالث من هذا الكتاب . وبهذه الدرجة الكافية من الضبط ، يمكن تأسيس علم التاريخ ، كفرع عميق من فروع المعرفة الانسانية . ولا يكون « فوضى احتمالات وكومة أخطاء سخيفة » . - 2 - نرى أن الأسباب التي تؤثر في التطور الاجتماعي في العصور الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل ، ثلاثة رئيسية ؛ اثنان منها موضوعيان ، أعني خارجين عن إرادة الناس ، وواحد منها ذاتي ، يعود إلى إرادتهم . السبب الأول : الأسباب الطبيعية العامة . فإن اعترفنا بالقوانين ، عبرنا عنها بالقوانين الكونية ، كقوانين الفلك والفيزياء والكيمياء العامة . وإن أنكرنا القوانين - كما فعلنا - تكون الأسباب هي كل واقعة سابقة بالنسبة إلى اللاحقة ، فإن هنا تتابعا بين الحوادث على أي حال ، من حين حدوث الكون إلى نهايته . وقد سبق أن برهنا على حدوث الكون . وانطلقنا من ذلك على وجود الفاعل الخارجي الخالق للكون . ومن هذا النوع من الأسباب قهرية التأثير بالنسبة إلى كل ما يندرج تحتها من الوقائع والأشياء ، وموضوعي ومستقل تماما عن إرادة الانسان ، وتجعل الانسان - عادة - عاجزا عن مخالفتها أو محاولة تجاهلها . وهذه الأسباب شاملة بمدلولها المباشر للمجتمع ، تماما كما هي شاملة للطبيعة . وبعبارة أخرى : إنها تفهم المجتمع كما تفهم الطبيعة . . . هنا نرى الانسان يسقط من شاهق كما تسقط الحصاة ! ! . . السبب الثاني : الأهداف المتوخاة من إيجاد الكون . والبرهان على ذلك مختصر قبل الوصول إلى القسم الثالث من الكتاب اننا بعد أن أثبتنا أن للكون خالقا ومدبرا من خارجه ، وثبت في